الرئيسية / أخبار متفرقة / ” رغوة الغيب ” أو بلاغة الاشتغال بقلم : الدكتور إسماعيل الهموني

” رغوة الغيب ” أو بلاغة الاشتغال بقلم : الدكتور إسماعيل الهموني

الدكتور إسماعيل الهموني

تقديم

ما بين الرغوة والغيب الكثير من التلاشي ؛ الرغوة رضاب يطوف ؛ وفقاعات تعلو ؛ ورهان على زمن ينزلق سريعا نحو الانطفاء ؛ لكن سمتها الابتهاج ؛ والالتذاذ ؛ والتسويغ . والغيب ؛ ما توارى عنا قسرا ؛ وما لا نعلمه يقينا ؛ و هو ما وراء الطبيعة ؛ سمته المفارقة ؛ والإيمان به ضرورة لأهل اليقين ؛ وسمته الخفاء ؛ والمجهول ؛ والاقتراب منه بصيرة يحقق التفيؤ بالرهان المستحيل.ولأن الشعر وحده من يحقق المصالحة مع المفارق ؛ واللايقين ؛ فقد جاء ديوان ” رغوة الغيب ” (1) محققا لهذه الحدود ؛ ومتخطيا لنواميس القيود . أي أن المنجز الشعري فيه محقق بالمفارقة والمغايرة ؛ لابالمشاكلة والمشابهة . فكلشعر ينحو نحو الاختلاف ينَّسب المعنى ويُصَير القول الشعري مفتوحا على منطق الاحتمالات. فكل معني يصبح مخصوصا بما يشتغل به في منظومة القول الشعري ؛ ويذوب شيوعه في الاستعمال الجديد . أي أن الأصل في المعنى الإرباك؛ وليس الاستواء. عندها يكون النص مشكاة من الدلالات المتنوعة ؛ وفاكهة شهية للتأويلات.
أما بلاغة الاشتعال ؛ فلن تكون سوى الرؤية التي نحقق بها الاقتراب من “رغوة الغيب ” ؛ والانصات لمايمور به النص من تجويفات ؛ وإمكانات للإصغاء . فالبلاغة لم تعد زينة توشي أرتال الكلام ؛ ولا هي توصيف لتواشيح القول بجمالية التحليل ؛ ولكنها عين ثانية تنسرب منها محاليل الجمال لتذوب في كأس النص ؛ وعندها تتقاسم البلاغة و النص جمالية الإبداع .
أماالاشتعال؛ نورانية التصوير في القول الشعري؛ في التقاط مؤشرات نصية تحدد ماهية الرؤية الشعرية في النص؛أسلوبا؛ولغة؛ومفارقات؛ وتَسانُدمكونات؛ وتضافر عناصر بلاغية وغير بلاغية.والاشتعال محمل برضاب صوفي لا تخطئه العين ؛ أي أن القصيدة في بعدها الإشراقي إتحاف للناظر و الوجدان الباطني ؛ وعمقها الداخلي طبقات من شهي القول ؛ ونمير المفردة . بهذا البعد القرائي _المتواضع _ نتواشج مع النص الشعري للشاعر محمد شيكي عبر أيقونات ثلاث :

1. اشتعال الذات
2. فتنة الاشتعال
3. مقام الاشتعال

1 ـ اشتغال الذات

للذات حضور لافت في شعرية محمد شيكي ؛ تجليه حيازة قابضة للكينونة . فالذات ليست مجرد لون رومنسي يتغني بوجدانه النمطي ؛ ولن تكون انحسارا خائبا في اليأس والبكائية الممعنة في البكاء أو الترمد في حواشي الطبيعة . الذات هنا فاعلية شعرية ترسو على وجود فائر ؛ وحركية ذائبة لا تستقر على حال ؛ ومستقبل يتمدد من كون غائم وغائر في زمن ينفلت من حاضر مر ؛ وماض مذبوح . فتكون ذاتا منحازة للضوء ؛ ومنتمية للحب ؛ تجوب الظلال ؛ وتعبر الجهات في ماغير مواربة . أي ذات تعي فعلها وتحدد شرط حكايتها . ذات تقبض على معناها الخاص في صوفية تزكو عند الكأس ؛ وتفيض عند الورع
هذا الاحتراق الذي يتجاوز الاشتعال إلى اللوعة والمثابرة على صيرورة الفناء ؛ هي ذات ترحل في التقلب بين الرحلة والراحلة . الذات هنا مشيئة شعرية تعبر الفيض إلى قيامة النور:
من مدخل بــابي فيضي
من بين قبابي فيضي
من غيم سحابي فيضي
فيضي مني فالفيض كتــابي (2)
فالفيض هنا تشكل نوراني من الاشتعال المشكل لرؤية الشاعر ؛ أي التبجس من وخز الألم ؛ والارتداد من مخاض الفراغ ؛ والتوجس من واقع فاقع ؛ وهتك سديمية الألوان ؛ فيجيء الشعر /الاشتعال ضد الانبطاح ؛ والتدنيس ؛ فالذات في اصطلاء وصلاة . اصطلاء بنار :
” جند هولاكي ” تمزقت النجوم من طول صولته(3) ؛
وصلاة غضب ترتوي من ” مجمع الألوان “:
يا مجمع الألون ؛ قتلت ما تاه عنه البحر من غضب”(4)

تطرز الذات اشتهاءاتها الرافضة للَّعنات بما تشعله في وعيها من الحرص على المقاومة ؛ وعدم الإنكفاء إلى الوراء ؛ أو المطاوعة للكائن المهيمن على صوت الشاعرالمبحوح .
للذات أن تشتعل ك” خيط من القش يربطني بالكلام …” (5)
يرتق نظمة الكون ؛ ويحدد صيغة الاشتعال(6)
_”يا سيد النار _أو بعت اشتعالي
أو غللت يدي لأرسم بعض الضفاف بمداد الرعاف
بحجم نزيف المـرايـــا …”

لأن الموت يقين ؛يكون الاشتعال ضدا على الخسارات ؛ وجسارة ضدا على الرهبوت . هو الاشتعال حين يفتح باب التحدي ؛ ويؤجج ثورة الجرح؛مانحا للمعنى أن يتوالد من عتبات الغضب ( 7) ؛
” كن ماتشاء ؛ لكن جبنك يا سيد النار
لن يقتل المزن الذي يزدهي بقشيب الهواء
يغرس في الأفق عمق التجدد
قل : إنك الآن خصمي وخصم السماء
لماذا تصادر صوت البلابل تحرق صك الدعاء
وتدعوانتشائي إلى خمرة الليل تحت رماد الفنــاء …”

هو سطوة المستبد في وجه الماء ؛ وخنوع التسلط في جبروت أوهى من خيط عنكبوت . وبذلك يكشف الاشتعال وهن السلطة الفاشية ويعي نهايتها البائسة . اشتعال الذات كاشف للمسكوت عنه ؛ وفاضح لسلوكات واقع مترهل . هذا الاشتعال الذي يفاتك جماجم تقعرت من خوفها ؛ يعري داخلها ؛ في تناقض مفارق (8):
“فأطمع منها بنفحة شهد ؛
بقبلة خــد
يداهمني عريها
ويحرقني جمــرها” .

بين الاشتهاء و الإحراق يقف الاشتعال عاريا حتى تستوي نبضات المكان على فعل يناهض الرداءات ؛ ويكنس الهشاشات التي تسكن رقصة العشب (9)

“لن أطاوع في البلاد يدا ؛ تقايض بالركوع مدامعي
أبدا ؛ أطاوعها يدا تغتال عشبي
أوتحاصر فرحتي “.
هذه اليد الآثمة التي تغتال فرحتنا بالجرح النازف ؛ وإطالة أمد البكاء ؛ لن يكون الاشتعال إلا تمردا فجائعيا ؛ يروم كبح الموت بالموت ؛ مادام الموت أرقى أشكال الحياة . فيحضر الاشتعال نوبة من حياة (10(
“وأقتفي أثر اشتعال العشب
في الأفق النضيـــــــــر . ”

هذا اشتعال يتخطى مساحات الجغرافيا ؛ ليشمل ايات من نسغ الحياة في العشب ؛ و في أفق يتمدد عميقا في وميض الماء . أي أن الاشتعال ليس خمودا بُعيد لهيب حارق ؛ ولكنه اشتعال حياة ينبثق من رماد الممات ؛ عبر علامات مائزة تكون القصيدة مهجعها ؛ ومرساها ؛ القصيدة حين تعلن دندناتها التي تشرب من الحياة اللهيب والشرارات (11)

“قصيدتي مضجعي ؛ ولهيبها يكفي جيوش مقاتلي دددن ددن ؛
وشرارتي غطت فضاء رجامهم ؛ سقطوا إذن دددن ددن …”

هذه القصيدة مدرج العشق ؛ وحالة التمرد ؛ والتفرد ترقص كما يكون العشب انتصارا للحياة ؛ وديمومة التحول ؛ قصيدة بحجم الأرض ؛ مسكنا للوجود ؛ فيه يعبر الوقت مسافات من الوجد مادام الزمن الذي يكبر هنا لا قياس لوحداته إلا بما تخلفه القصيدة من أثر جمالي في وجدان العشب (12):
“تمشي القصيدة ؛ وانبعث جلاجلا ؛ ورنينها ملأ الوجود
بوحدتي ؛ وتفردي في العشق
يا أرضي الحبيبة زغردي ” .

إن القصيدة لا تلبس صوفية الاستسلام ؛ و التسليم بعلوية القضاء والقدر ؛ القصيدة هنا قضاء وقدر ؛ وتخط طريقا جديدا للتصوف الذي يتطاول عن التزلف أو المسخ الشائه . القصيدة اشتعال الذات في معرفة حقيقة الإنسان العارية إلا من حب وثني للأرض ؛ ينفجر فيه الصمت عن صمته . ويتحول فيه الزمن عن عاداته السلبية(13)

“يا زمنــــــــــي ؛
أحرقت أنساغ الأماني في نـزوة الصحو وكنت لها اللهب ؛
صيرت من لدغ انكوائي رمادا من رفاتي وكنت لها الحطب …”
أن تعيد الذات اشتعالها من خلال تدوير زمن القصيدة ؛ يعني أن الشاعر يعي لحظته الإبداعية ؛ حي في تمام سكرته ؛ واقف في هبوب اللهب ؛ وهو يحتطب وقود اشتعاله من أودية مماته . هنا يكون زمن الاشتعال ممتدا في البلاغة ؛ وقائما في الكلمات ؛ محايثا للوعي الشعري لدى الشاعر . يمتلك الجرأة على الإفصاح ؛ والقدرة على التفسير ؛ رافضا التدثر بالمجاز الأعمى الذي يطيل مرحلة التأويل .
ويرتقي النص زمنه الشعري موسعا من دائرة التبصر ؛ كي يغزو أعماق القاريء ؛ ويعيد تشكيل أعماقه ؛ مثلما تكون كتابة النص إعادة لتشكيلاللغة (14) . إن اشتعال الذات تشكيل لطبيعة اللغة ؛ وتحويل مساراتها الوظيفية والتعبيرية والجمالية إلى مقصدية ذات الشاعر بما يقتضيه الجهد المبذول في بنية الديوان ؛ و تفريغها حسب رؤية شعرية تتوق إلى تشكيل مقارق للغة ؛ وللقصيدة نفسها ..

2 ـ فتنة الاشتغال
فتنة الاشتعال حقيقة الإنتماء ؛ إنتماء للضوء ؛ والحب ؛ والأنثى . أي أن فتنة الشاعر لا تكون من أجل حد يتلاشى بعبور زمن الافتتان ؛ لكنها فتنة تجوس خلالها القلب ؛ والديار ؛ ومدارج الحياة . تبدأ الفتنة بالنداء (15(:
“يــا فتنتــي ؛
اشتعلي بالحب حتى تضيئي مواويلي ؛
أومضي في ذبيبي ؛
أوقدي في الجـوى ؛
أنت الهـوى
لما استوى في شذى عينيك تبحر منيتي . ”

ينتعل الشاعرفتنته مجاهرا بالحب ؛ هذه الفتنة الجنوبية الهوى ؛ لاتهادنفي حرارة النداء . ولأن الفتنة لا تكون إلا في غواية التأنيث عمد الشاعر إلى تمديد الوجدان لتصير الفتنة ( ياطفلتي ) ( ص؛ 6). حين تتجاسر الفتنة والتأنيث تصير اللغة غاية في حدذاتها ؛ ويكون المعنى رهين الرغبة ؛أي نشوة التأصيل في نشوء القول . كأن الكلام أول البدايات ؛ لم يخترق من ذي قبل . اللغة تحب بكارة المعنى .
والفتنة تشتد حين يمور السؤال في كون الشعر ” صديق ” الافتتان . أي أن الطفلة / الصديقة ليست ” شخصا خارجا ؛ وليس ظرفا ولا مثالا تجريبيا (17) هناك تكون الفتنة مشيئة تعبر خرائط الوقت إلى إنتماء الطين .

” امتدي – عبر الخرائط كلها
وانتعلي ؛ جنوب بابي الخلفي ؛ سيري نحو نزع مشيمتي .”(18)
إن فتنة الاشتعال في تواطؤ بين الغياب و الخضور ؛ بغية تشريح الحلم والواقع ؛ وفصل الحياة عن المواتففي فتنة الاشتعال تكون كل الجهات قيامة الظل والماء ؛ وتستوفي الحكاية عرافها لتكون القصيدة مرتع التأنيث . ” إن كنت أنت شفاهي فأفصحي ” (19) ؛ وحده الشعر يفسر الشعر ؛ لأن الفيض ينبوع “الكأس العشيقة ” ؛ والمعنى سليل الجرح ؛ وفورة الاغتراب .

” الفيض مس هفهفة ارتعاشي.(……………
قلبي أنا شمع يضيءسواد جوانحي ” (20(
هذا التلاشي في مصير الاشتعال يجسد صلات الذات بالتعدد ؛ أي أن الهوية الشعرية للذات لا تنفصم عن مبتغاها الجمالي الذي لا يتحدد بإنتماء لغير الجمال الذي لا هوية أصلا له . فالجمال محو للأنتماء الضيق ؛ شساعة في الأفق ؛ فيه تتشظى الأنا إلى ما لا نهاية له . بحيث تغدو الذات صنيعة ذاتها فحسب . وهنا يتحقق شرط الكتابة بالافتتان ؛ لا بالانتماء الجدلي للمكان أو الزمان . شرط الكتابة هنا أن يكون الشعر مشيئة تبتلع الألوان ؛ وتغالب الحجب ؛ والإغلاق ؛ وعنف الإطمار ؛ تلك هي الفتنة النشوة ؛ الغاية منها التجلي في سكرة الكلمات ؛ ومعاقرة نبيذ الجمال . فتنة التوحد بالانثى ؛ والذوبان في جلال الانجذاب : كأنه أنثى الربيع ؛ وليس لي غير التوحد بالجمال …(21)فيكون الضوء خارجا من عناصر الطبيعة والتوحد بها ؛ هذا الضوء الذي يجيء من دواخل الروح ؛ في تفاعلية بين العناصر و الأنفاس ؛ تتلبس القصيدة فيها أشياء الوقت ؛ وتكبر دوائر العشق :
أضيئي بالعشب قصيدتي ؛ تهفو إليك رشيقة وقشيبة (22)كأنها الشهادة ساعة الموت ؛ أو هي الحياة حيث يبدأ الرحيل / السفر إلى تشوف أنضر من “ألق الشهيد” .

3 ـ مقامات الاشتغال

مقامات الشعر مدارج الروح ؛حيث يقوم خيط دقيق منسدلا بين البوح و المقام . حين يشف القول ؛ وترسو دوائره على دقائق الحال ؛ تكون الكتابة في أعسر مضاييقها ؛ وتروم اللغة أقصى كهنوتها . فيأتي الحرف مشبوبا بين المقامات والاشتعال . تتسع المقامات ؛ وتضيق العبارة لتكون الإشارة أخصب وأندى ؛ وتطفو على المجاز نذوب القهر و اليتم . أي أن المقامات تكون أكبر من أعطاف العبارة ؛ وأن الاستعارة أضيق من عيون المحارة . لكن اللؤلؤ مخبوء بين النفث ؛ ودبيب البوح . فتعمر المقامات بالأسرار ؛ والتسارر ؛ ويفيض القلب من عزلته حتى يترقرق من عطشه المعتق في خوابي الوقت . والمقامات في ” رغوة الغيب ” ثلاثة :
3.1-مقامالتشرد / مقام الزوابع (23) :
التشرد اجتراح للمحال ؛ وظل مستباح ؛ فيه يمد الشاعر يده للريح ؛ فلا تصل أبدا للقلب ؛ أبدا تلبس الوهم ؛ ويتقلص حجم المعنى إلى ما دون العطب . هل المقام المعطوب دليل السبيل المطلوب ..؟ الإرباك في المعنى؛ و التوتر في الرؤية حمية الاشتعال حتى تتوالى الآيات الصغرى ( الخضرة ؛ الرحيل ؛ الرياح …) . هذه الأعطاب الأولى مدارها التيه ؛ أي الخروج من غفلة الظل إلى سهو المقام ؛ والسهو هنا مطلب يُعشي العين ؛ ويغشى الروح ؛ كأنه صلاة التأمين . فلا مقام للشعر من غير أعطاب ؛ بها تعرف أصالة القول من زائفه . في التشرد يكون الإفصاح عن الماهية ؛ والهوية ؛ والكينونة . هذا التشرد الذي يزف زوابعه بالتياع اليتم . أي من لم يخرج عن سطوة الإتباع لن يكون له مقدار في الإبداع . فالتشرد آية صغرى للعبور إلى فحيح الريح .

” واهم سفر المدى
ريشة عجلى
تدور تائهة في فلك الرياح
فكيف لا يأتي الدوار إذا تسامق الشجر الكثيف
ولم تطوق ما استباح الريح منك ؛ ولم تكن لغة
تماهيت في دبيب روحك الأخرى لظل لا يدور….” ( 24)

3.2- مقـام الرقــص / رقصة العشب ( 25) :

لا يكون الوهج إلا بالرقص ؛ أي لا تظهر الدواخل إلا بالجذبة . فيها تزهر مباهج الرؤية والعشب . فالعشب هنا رؤيا حالمة تروم تحويل واقعها إلى خصوبة مضيئة تلاحق العتمات .
” ها العشب يرقص في إيقاع قصائدي دددن ددن
متفاعلن ؛ متفائل بسنا جمال غوايتي
بضحى نهار الحلم في عيني غــــــــدي …” (26).
لم تكن الغواية غاية لذاتها ؛ ولكنها مفتاح للحلم الذي يغوص في الغد . الغواية اشتعال للآتي وإنارة للمعتم في الحياة . وهي تفرد في تشكيل رؤية ممانعة للسقوط ؛ومقاومة للإنهيار . لأن القصيدة حياة وحركية تنتشلنا من ” فداحة السكون والدوار (….) ؛وتعزز التبَصَّر ببواطن الزمكان ” ( 27) . فالمقام هنا شاهد ومشهود :
” كن ولها نورانيا ؛
واجعلني مرقاة صعودك نحو الأرض
حتى أكون الظل ؛ أو شاهدك الأوحد … ” ( 28)
نورانية الاشتعال عروج إلى المعنى المطلق الذي سكتت عنة المشيئة ؛صعود إلى الأرض التى تظل مظلمة بفعل الرتابات ؛ واجتراح التيئيس . فيجيء صوت الشعر كاشفا للولاءات ؛ ومنتصبا ضد المرارات .

3.3- مقــام الوجــد / الكــأس العشيقة (29) :

هو مقام صامت تباشره اللغة بالاجتراح ؛ والانخطاف ؛ والجنون ؛ كأن الوجد لا يكتمل من غير تربص بالعقل ؛ التحرر من سطوته الواجفة .أي أن الجنون رديف المغايرة والمخالفة ؛ وليس امتناعا عن التعقل . والوجد وإن جاء ممهورا بالعشق ؛ إلا أنه حالة من الفيض التي تتجاوز حد القيدالعقلي ؛ وتطول مقاييسه الصارمة .
” يا رب الجنون لم رصعت أشفار الجمال على أبهى رداءات الشموس
أودعت في رحم الظلام سجية القمر العنيد ” ( 30)
هذا الجنون المتلبس الذي يسكن مواطن الجمال ؛ والقابع في سجايا الكون المنير ؛ هو نفسه الذي يسلب الشاعر “عقله” الذي يبدو شاحبا أمام إدراك مصيره. فيكون الجواب : ( سمعا) . أي طوعا ؛ ولبيك ؛ حالة ينتفي فيها العقل ؛ وتتوارى شكوكه ؛ ويظهر بؤسه الفج . ولأن الوجد عطش أبدي في مقام الكأس ؛ عشق ملتهب في حالة الجذبة ؛ يأتي النداء مبتهلا :
” يا سيدي ؛
شذب برفقك شطحته الظمأى إلى الكأس العشيقة ” (31).
لا يمحو العطش سوى الماء ؛ ماء الدواخل الذي يعبر أحراش الجسد ؛ ويعلو فيض المجانين . ولأن الماء مطلب عزيز في صحراء الوجد ؛يستمر اللهب ؛ وتمتد عوامل التصحر الداخلي التي تؤوب إلى عالم ماوراء الطبيعة . عالم الغيب المكنون ؛ والمكتنز بالأسرار . عالم أول معارجه الوجد ؛ وليس العقل . مقام الوجد شهوة العطش فيها تحرق الشمس أذيالها المتبقية في ” شبق الكلمات ” (32) . الكلمة أنثى في هذا المقام ؛ أي أن العشق حين ينوجد في الذات ؛ لا يتناسل ؛بشكل دائري ؛ إلا حين يتغلغل في الكلمات . فالصياغة اللغوية محكومة بالتجلي الصوفي في حضرة الذات العلوية ؛ كأنها تتوق الى أصلها العلوي المفارق . وهكذا يلجأ الصوفي في التعبير عن ذاته إلى لغة الإشارة الخفية ؛ وإلى بلاغة التجريد الذهني التي تقرر واقع حال الصوفي ؛ وتلامس عمق الهزة الباطنية التي خضت دواخله (33).

4 – خــــــــــــــلاصــــــات :
ينتهي بنا السفر بين ثنايا ” رغـوة الغيـب “إلى عناصر بلاغة الاشتعال ومكوناتها التي تؤثث الأبعاد الجمالية ؛ والرؤية الشعرية ؛ والتساند الفني في كل نصوص الديوان . ونجمل هذه الخلاصات في :
_ اشتعال الذات دليل حركية ؛ ومور وجداني يتفاعلان مع واقع لا يرتفع ؛ويسموان عن الترهل والتراخي : ممانعة ؛ ومقاومة . فجاءت اللغة تشكيلا جماليا أنيقا ؛ وإيقاعا مدروسا باذخا ؛ وتحويلا من التواصلية إلى الشعرية: مفارقة؛ومخالفة .
– فتنة الاشتعال نداء داخلي يتحرر من سطوة الموت ؛ والسعي إلى حياة أنقى . فتنة تروم التعدد في الذات ؛ والمشيئة في التقدير ؛ والسعي نحو الأعالي . وباتت العبارة محك الاشتعال ؛ والإشارة دليل الافتتان .
-مقامات الاشتعال ؛ باب الكتابة عبر :
-مقام التشرد ؛ للقبض على الريح في أعطابصغرى .
-.مقام الرقص ؛ جذبة الروح لتكون الغواية ممانعة للسقوط بين يدي ” سيد النار ” ؛ واختيارا للولاء المطلوب .
-مقام الوجد ؛ فيه اللغة إشارة أبلغ ؛والجنون أعقل ؛ والكلمات أنثى ولود .
كليميم ؛ في : 23 أكتوبر 2014

الاحالات المرجعية
1 – محمد شيكي : رغوة الغيب ؛

منشورات وزارة الثقافة ؛ 2013.

2- رغوة الغيب ؛ ص: 17

3-نفسه ؛ ص : 21

4- نفسه ؛ ص : 22

5- نفسه ؛ ص : 27

6- نفسه ؛ ص : 28

7-نفسه ؛ ص : 31

8-نفسه ؛ ص : 32

9- رغوة الغيب ؛ ص : 37

10- نفسه ؛ ص : 37

11- نفسه ؛ ص : 41

12- نفسه ؛ ص : 43

13-نفسه ؛ ص : 53
14- عبدالله الغذامي : الخطيئة والتكفير ؛

المركز الثقافي العربي ؛ ط.6/ 2006 ؛ ص : 233

15- رغوة الغيب ؛ ص : 5

16- نفسه ؛ ص : 6

17- محمد أيت حنــا : الرغبة والفلسفة ؛

توبقال ؛ ط.1/ 2011 ؛ ص : 94

18- رغوة الغيب ؛ ص : 18

19- نفسه ؛ ص : 10

20- نفسه ؛ ص : 15

21-نفسه ؛ ص : 40

22- نفسه ؛ ص : 24

23- نفسه ؛ ص : 25

24- نفسه ؛ ص : 25

25-نفسه ؛ص : 37

26-نفسه ؛ ص : 43

27- عبدالإله الصائغ : الخطاب الشعري الحداثوي والصورة الفنية ؛

المركز الثقافي العربي ؛ ط1/ 1999؛ ص : 145

28- رغوة الغيب ؛ ص : 47

29-نفسه ؛ ص : 51

30- نفسه ؛ ص : 51

31- نفسه ؛ ص : 52

32- نفسه ؛ ص : 58

33- محمد المسعودي : اشتعال الذات ؛ الانتشار العربي ؛ ط1/ 2007 ؛ ص : 206

عن ماء العينين خونا

فاعل جمعوي

شاهد أيضاً

البيان الختامي لأشغالالنسخة الحادية عشرة للملتقى الدولي عيون الأدب العربي

بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي العربي الكريم …